كارثة السودان- صراع الأوبئة، انهيار الدولة، ومستقبل قاتم
المؤلف: نجيب يماني08.30.2025

في نداء استغاثة عاجل، حذر الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، السيد لوكيير، من التداعيات الوخيمة الناجمة عن تفشي الأوبئة الفتاكة كالكوليرا وحمى الضنك والحصبة، وذلك نتيجة لانهيار المنظومة الصحية المتهالكة في السودان وتفاقم الأوضاع الإنسانية المتردية. وأكد أن الاستجابة الإنسانية الحالية لا ترقى إلى مستوى الكارثة، مع غياب قاعدة عمليات راسخة للأمم المتحدة ومنظماتها المتنوعة، وتضاؤل التمويل المخصص للعمل الإنساني من قبل المؤسسات والمنظمات الدولية، إضافة إلى نزوح أكثر من 13 مليون سوداني يعيشون في ظروف معيشية قاسية وغير إنسانية. وأشار إلى أن السودان يواجه كارثة إنسانية وصحية معقدة ومتشابكة، مع تفشي أوبئة مدمرة تهدد بالانتشار إلى دول الجوار.
وسط هذه الصورة القاتمة والمأساوية التي تتفاقم مع استمرار القتال الضاري بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في غرب كردفان، تتفاقم الأزمة السودانية وتتخذ أبعادًا أكثر خطورة وتعقيدًا. فبعد أن كانت مجرد "تمرد" محصور في بقعة جغرافية محدودة، تحولت اليوم إلى حرب إقليمية شاملة، تجسد ذلك في التوترات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الحدودية مع ليبيا.
وبكل صراحة ووضوح، يمكنني أن أوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي بسطت نفوذها وسيطرتها الكاملة على السودان منذ انقلاب (الترابي – البشير) في عام 1989، وسعيها الحثيث إلى فرض مشروعها الحضاري، من خلال إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع ومؤسساته. وهذا المشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه "عملية إفراغ دولة وتحويلها إلى حزب".
وفقدت بعض الأجهزة الحكومية صفتها القومية المستقلة، وأصبحت مجرد أداة طيعة في يد "الإخوان"، الذين تجاوزوا ذلك بإنشاء ميليشيات متعددة، بدءًا من "الدفاع الشعبي"، مروراً بـ "الدعم السريع" و "المشتركة"، و "البراؤون"، وعشرات الجماعات الأخرى التي تتكاثر وتنتشر يومًا بعد يوم في مشهد عبثي و "تراجيكوميدي" يثير البؤس والأسى، ويضفي مزيدًا من الزيت على نار السودان المشتعلة التي انتشرت وتعمقت في كل أرجائه.
ولست أبالغ أو أتجاوز الحقيقة عندما ألقي باللوم على "الإخوان"، وأحملهم المسؤولية الكاملة عما يحدث، فقد كان من الممكن تدارك هذه الأزمة في بدايتها، عندما بادرت المملكة العربية السعودية مشكورة بتهيئة "منبر جدة" لتمكين السودانيين من التفاوض فيما بينهم. ولكن كلما أوشك الجميع على التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، ظهرت الأيدي الخفية لجماعة الإخوان، وحركت الملف في اتجاه تعميق الأزمة، وتأجيج نيران الصراع، والإيحاء بأنه لا حل إلا عبر القوة والسلاح. والأدهى من ذلك، أن ملف السودان أصبح مطمعًا للمغامرين والطامحين في استعادة سلطتهم الزائلة، فراحوا يتنقلون به بين الدول سعيًا وراء حل يلبي رغباتهم وميولهم، من المنامة إلى إسطنبول إلى طرابلس إلى القاهرة، في مشهد لا يخرج عن دوائر التشكيك وإطالة أمد الحرب، والنتيجة أن كل هذه المحطات انتهت بهم إلى الإشارة علنًا أو ضمنًا إلى ضرورة العودة إلى "جدة".
وهنا تكمن جذور الأزمة ومكمن الأسى، فليت "إخوان" السودان يتمعنون في الأمر بعقولهم، ويدركون أن سلطتهم قد ولت إلى غير رجعة، وأن السودان يتهيأ لمرحلة جديدة، أسوة بما حدث في سوريا التي تلقت العون والدعم من المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة، وها هي تنهض من تحت الركام الذي خلفه نظام "الأسد". وكان الأجدر بالسودان والأولى به أن يسبق سوريا إلى ذلك، لو أن المتحكمين في زمام الأمور فيه امتلكوا قدرًا من الوعي والبصيرة، والكثير من الحكمة، لتجنيب بلادهم ما حل بها وما يتربص بها اليوم من دمار وتشتت وأوبئة ومستقبل مظلم.
ومن المؤسف والمثير للحزن أن يحاول البعض أن يخدع نفسه والآخرين بالترويج لقرب انتهاء هذه الحرب، والتأكيد على تحقيق نصر زائف لن يتحقق بالقوة والعنف مهما اشتد أوارها، وشواهد التاريخ في السودان ماثلة للعيان وتذكرنا بالنتائج الوخيمة التي انتهى إليها الصراع المسلح في الجنوب.
إن ما يشهده السودان من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، يكاد يوصلنا إلى قناعة راسخة بأنه يسير نحو التفتت والانقسام والتشظي إلى دويلات صغيرة، لا تملك أي منها مقومات الحكم الذاتي المستقل، مما ينذر بتداعيات كارثية. والتلويح الأخير الذي قامت به قوات "الدعم السريع" بتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها يعطي الإنذار الأول، وإن لم يحظ بالتأييد والمساندة، بل قوبل بالرفض والاستنكار. وهذا الأمر قد يصمد لبعض الوقت، لكنه في المقابل قد يتغير بتغير نتائج الحرب المستعرة الآن، وظهور بوادر تدخلات إقليمية فيها.
ومن الأهمية بمكان أيضًا أن ندرك التناقضات الكبيرة التي تعج بها الساحة السياسية في المناطق التي تسيطر عليها السلطة الحاكمة في بورتسودان، بعد انتقالها من الخرطوم. فكل المحاولات الجارية لتشكيل حكومة مدنية، بعد اختيار الدكتور كامل إدريس رئيسًا مكلفًا لمجلس الوزراء، تصطدم بمطامع الفرقاء المشاركين في الحرب ضد قوات الدعم السريع، وخاصة الكتل المسلحة المنتمية إلى منطقة غرب السودان، سواء كانت تابعة لحركة تحرير أو غيرها. وهذا الملف تمسك به جماعة الإخوان من وراء ستار، وتوجه دفته كيفما تشاء، وتفرض أجندتها وخياراتها، ساعية إلى ترسيخ وجودها في السلطة عبر كوادر الصف الثاني من غير المعروفين من قيادتها الوسطى، مما أدى إلى تنشيط عمليات الكشف عنهم والتأكيد على انتمائهم لجماعة الإخوان.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل أزمة السودان تراوح مكانها، وسيظل مستقبل هذا الوطن مرهونًا بمغامرات هذه الجماعة التي غيرت وجه السودان، وزعزعت نسيجه الاجتماعي، وأهدرت موارده الاقتصادية، ورهنته بمستقبل محفوف بالمخاطر الكارثية، ما بين تفتيت، وسلطة مغامرة، وموت محقق، وحرب مستمرة لا تبقي ولا تذر.
اللهم احفظنا في أوطاننا، وأبعد عنا كل ما يعكر صفو حياتنا، واحمِ قادتنا وولاة أمورنا.
وسط هذه الصورة القاتمة والمأساوية التي تتفاقم مع استمرار القتال الضاري بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في غرب كردفان، تتفاقم الأزمة السودانية وتتخذ أبعادًا أكثر خطورة وتعقيدًا. فبعد أن كانت مجرد "تمرد" محصور في بقعة جغرافية محدودة، تحولت اليوم إلى حرب إقليمية شاملة، تجسد ذلك في التوترات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الحدودية مع ليبيا.
وبكل صراحة ووضوح، يمكنني أن أوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي بسطت نفوذها وسيطرتها الكاملة على السودان منذ انقلاب (الترابي – البشير) في عام 1989، وسعيها الحثيث إلى فرض مشروعها الحضاري، من خلال إحداث تغيير جذري في بنية المجتمع ومؤسساته. وهذا المشهد لا يمكن وصفه إلا بأنه "عملية إفراغ دولة وتحويلها إلى حزب".
وفقدت بعض الأجهزة الحكومية صفتها القومية المستقلة، وأصبحت مجرد أداة طيعة في يد "الإخوان"، الذين تجاوزوا ذلك بإنشاء ميليشيات متعددة، بدءًا من "الدفاع الشعبي"، مروراً بـ "الدعم السريع" و "المشتركة"، و "البراؤون"، وعشرات الجماعات الأخرى التي تتكاثر وتنتشر يومًا بعد يوم في مشهد عبثي و "تراجيكوميدي" يثير البؤس والأسى، ويضفي مزيدًا من الزيت على نار السودان المشتعلة التي انتشرت وتعمقت في كل أرجائه.
ولست أبالغ أو أتجاوز الحقيقة عندما ألقي باللوم على "الإخوان"، وأحملهم المسؤولية الكاملة عما يحدث، فقد كان من الممكن تدارك هذه الأزمة في بدايتها، عندما بادرت المملكة العربية السعودية مشكورة بتهيئة "منبر جدة" لتمكين السودانيين من التفاوض فيما بينهم. ولكن كلما أوشك الجميع على التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف، ظهرت الأيدي الخفية لجماعة الإخوان، وحركت الملف في اتجاه تعميق الأزمة، وتأجيج نيران الصراع، والإيحاء بأنه لا حل إلا عبر القوة والسلاح. والأدهى من ذلك، أن ملف السودان أصبح مطمعًا للمغامرين والطامحين في استعادة سلطتهم الزائلة، فراحوا يتنقلون به بين الدول سعيًا وراء حل يلبي رغباتهم وميولهم، من المنامة إلى إسطنبول إلى طرابلس إلى القاهرة، في مشهد لا يخرج عن دوائر التشكيك وإطالة أمد الحرب، والنتيجة أن كل هذه المحطات انتهت بهم إلى الإشارة علنًا أو ضمنًا إلى ضرورة العودة إلى "جدة".
وهنا تكمن جذور الأزمة ومكمن الأسى، فليت "إخوان" السودان يتمعنون في الأمر بعقولهم، ويدركون أن سلطتهم قد ولت إلى غير رجعة، وأن السودان يتهيأ لمرحلة جديدة، أسوة بما حدث في سوريا التي تلقت العون والدعم من المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة، وها هي تنهض من تحت الركام الذي خلفه نظام "الأسد". وكان الأجدر بالسودان والأولى به أن يسبق سوريا إلى ذلك، لو أن المتحكمين في زمام الأمور فيه امتلكوا قدرًا من الوعي والبصيرة، والكثير من الحكمة، لتجنيب بلادهم ما حل بها وما يتربص بها اليوم من دمار وتشتت وأوبئة ومستقبل مظلم.
ومن المؤسف والمثير للحزن أن يحاول البعض أن يخدع نفسه والآخرين بالترويج لقرب انتهاء هذه الحرب، والتأكيد على تحقيق نصر زائف لن يتحقق بالقوة والعنف مهما اشتد أوارها، وشواهد التاريخ في السودان ماثلة للعيان وتذكرنا بالنتائج الوخيمة التي انتهى إليها الصراع المسلح في الجنوب.
إن ما يشهده السودان من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، يكاد يوصلنا إلى قناعة راسخة بأنه يسير نحو التفتت والانقسام والتشظي إلى دويلات صغيرة، لا تملك أي منها مقومات الحكم الذاتي المستقل، مما ينذر بتداعيات كارثية. والتلويح الأخير الذي قامت به قوات "الدعم السريع" بتشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها يعطي الإنذار الأول، وإن لم يحظ بالتأييد والمساندة، بل قوبل بالرفض والاستنكار. وهذا الأمر قد يصمد لبعض الوقت، لكنه في المقابل قد يتغير بتغير نتائج الحرب المستعرة الآن، وظهور بوادر تدخلات إقليمية فيها.
ومن الأهمية بمكان أيضًا أن ندرك التناقضات الكبيرة التي تعج بها الساحة السياسية في المناطق التي تسيطر عليها السلطة الحاكمة في بورتسودان، بعد انتقالها من الخرطوم. فكل المحاولات الجارية لتشكيل حكومة مدنية، بعد اختيار الدكتور كامل إدريس رئيسًا مكلفًا لمجلس الوزراء، تصطدم بمطامع الفرقاء المشاركين في الحرب ضد قوات الدعم السريع، وخاصة الكتل المسلحة المنتمية إلى منطقة غرب السودان، سواء كانت تابعة لحركة تحرير أو غيرها. وهذا الملف تمسك به جماعة الإخوان من وراء ستار، وتوجه دفته كيفما تشاء، وتفرض أجندتها وخياراتها، ساعية إلى ترسيخ وجودها في السلطة عبر كوادر الصف الثاني من غير المعروفين من قيادتها الوسطى، مما أدى إلى تنشيط عمليات الكشف عنهم والتأكيد على انتمائهم لجماعة الإخوان.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل أزمة السودان تراوح مكانها، وسيظل مستقبل هذا الوطن مرهونًا بمغامرات هذه الجماعة التي غيرت وجه السودان، وزعزعت نسيجه الاجتماعي، وأهدرت موارده الاقتصادية، ورهنته بمستقبل محفوف بالمخاطر الكارثية، ما بين تفتيت، وسلطة مغامرة، وموت محقق، وحرب مستمرة لا تبقي ولا تذر.
اللهم احفظنا في أوطاننا، وأبعد عنا كل ما يعكر صفو حياتنا، واحمِ قادتنا وولاة أمورنا.